ابن الأثير

492

أسد الغابة ( دار الفكر )

سنة إحدى وأربعين ، وقيل : لخمس بقين من ربيع الأول منها ، وقيل : في ربيع الآخر ، فتكون خلافته على هذا ستة أشهر واثنى عشر يوما ، وعلى قول من يقول : في ربيع الآخر تكون خلافته ستة أشهر وشيئا ، وعلى قول من يقول : في جمادى الأولى نحو ثمانية أشهر ، واللَّه أعلم . وقول من قال سلّم الأمر سنة إحدى وأربعين ، أصحّ ما قيل فيه ، وأما من قال : سنة أربعين ، فقد وهم . ولما بايع الحسن معاوية خطب الناس قبل دخول معاوية الكوفة فقال : أيها الناس ، إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ، ونحن أهل بيت نبيكم الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس ، وطهّرهم تطهيرا ، وكرر ذلك حتى ما بقي إلا من بكى حتى سمع نشيجه . ولما دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس قال عمرو بن العاص لمعاوية : لتأمر الحسن ليخطب ، فقال : لا حاجة بنا إلى ذلك ، فقال عمرو : لكني أريد ذلك ليبدو عيّه [ ( 1 ) ] ، فإنه لا يدرى هذه الأمور ، فقال له معاوية : قم يا حسن فكلم الناس فيما جرى بيننا ، فقام الحسن في أمر لم يروّ فيه ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال في بديهته : أما بعد ، أيها الناس ، فإن اللَّه هداكم بأولنا ، وحقن دماءكم بآخرنا ، ألا إن أكيس الكيس التقى ، وإن أعجز العجز الفجور ، وإن هذا الأمر الّذي اختلفت أنا ومعاوية فيه : إما أن يكون أحق به منى ، وإما أن يكون حقي تركته للَّه عز وجل ، ولإصلاح أمة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم وحقن دمائكم ، ثم التفت إلى معاوية وقال : وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ [ ( 2 ) ] . فأمره معاوية بالنزول ، وقال [ ( 3 ) ] لعمرو : ما أردت إلا هذا . وقد اختلف في وقت وفاته ، فقيل : توفى سنة تسع وأربعين ، وقيل : سنة خمسين ، وقيل : سنة إحدى وخمسين ، وكان يخضب بالوسمة [ ( 4 ) ] . وكان سبب موته أن زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس سقته السم ، فكان توضع تحته طست ، وترفع أخرى نحو أربعين يوما ، فمات منه ، ولما اشتد مرضه قال لأخيه الحسين رضى اللَّه عنهما : يا أخي سقيت السم ثلاث مرات لم أسق مثل هذه ، إني لأضع كبدي ، قال الحسين : من سقاك يا أخي ؟ قال : ما سؤالك عن هذا ؟ أتريد أن تقاتلهم ؟ أكلهم إلى اللَّه عز وجل . ولما حضرته الوفاة أرسل إلى عائشة يطلب منها أن يدفن مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، فأجابته إلى ذلك ، فقال لأخيه : إذا أنا مت فاطلب إلى عائشة أن أدفن مع النبي صلّى اللَّه عليه وسلم ، فلقد كنت طلبت منها فأجابت إلى ذلك ، فلعلها تستحي منى ، فإن أذنت فادفني في بيتها ، وما أظن القوم ، يعنى بنى أمية ، إلا سيمنعونك ، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك ، وادفني في بقيع الغرقد [ ( 5 ) ]

--> [ ( 1 ) ] أي عجزه . [ ( 2 ) ] الأنبياء : 111 . [ ( 3 ) ] في الاستيعاب 389 : فقال عمرو لمعاوية : ما أردت إلا هذا . [ ( 4 ) ] الوسمة : نبت ، وقيل : شجر باليمن يخضب بورقه الشعر ، أسود . [ ( 5 ) ] بقيع الغرقد : مقبرة المدينة .